تناول محافظ مصرف ليبيا المركزي في البيضاء علي البحري في بيان له السبت الأسباب التي أدت إلى حدوث أزمة اقتصادية في البلاد بشكل مفصل، مع توضيح العوامل المساهمة فيها وآليات علاجها.
وبشأن أسباب الأزمة، سرد الحبري بداية المشكلة بشكل مفصل، وقال إنها بدأت عندما اتخذ الصديق الكبير طريقاً آخر على خلفية الصرع الذي حصل في 2014 بشأن مقر مجلس النواب، عبر وضعه ما اسماها “البذرة الخبيثة وتمسك بالقشة التي قصمت ظهر البعير”، ونتيجة لذلك، قطع الكبير المنظومة المصرفية عن المنطقة الشرقية ما جعل المصرف المركزي في بنغازي عاجزاً عن اتمام إجراءات المقاصة، وأدى ذلك أيضاً إلى غياب المعلومات والأرصدة، واستبعاد المنطقة الشرقية من المشهد المصرفي المركزي بالكامل.
وأشار الحبري إلى أن من بين أسباب الأزمة، اقفال الموانئ النفطية بحجة عدم وجود عدادات في أغسطس 2013، تلاه انهيار أسعار النفط عالمياً في الربع الأول من 2014، وأصبح الانتاج والتصدير قليلا والسعر ضئيلاً، تزامن مع صراع سياسي في ظل غياب للتوافق، مع توسع الإرهاب في الدولة.
وقال الحبري، إنه في ظل كل ذلك، فإن انتظار تعافي أسعار النفط وتوفر تدفقات مالية، سيشكل صدمة حقيقية تدفع بالنظام المصرفي إلى حافة الانهيار، وبدلا من ذلك، أشار إلى ضرورة وضع خطة عمل متوسطة تغطي مدة لا تقل عن سبع سنوات، تمكن الاقتصاد الليبي من تجاوز الأزمة.
وأضاف الحبري أن إدارة المركزي في طرابلس عمدت إلى تجاهل الشرعية والاستفادة من التضارب السياسي لخلق ما وصفه البيان بـ “الأمر الواقع”، بواسطة السيطرة على الأموال، التي اعتبرها أقوى من السلطة، مع تجاهل أحكام المحاكم، وتزامن ذلك بحسب وصف الحبري مع “العبث بالهيكل التنظيمي وصرف الخبراء من الخدمة”، حتى باتت السلطة النقدية تحت سلطة رجل واحد، مع وجود طاعة عمياء وولاءات أصبح المركزي من خلالها مجرد قلعة إدارية محكومة بالتردد، ما جعل الغلبة للمنافع والمصالح الشخصية والمجاملة.
واشار الحبري في تأكيد على ذلك، قطع المنظومة عن المنطقة الشرقية، والتي كان يهدف “الكبير” من خلالها إلى إحكام السيطرة على البيانات، وجعل مركزي طرابلس دائرة مغلقة، بالتزامن مع التشكيك في الظروف الأمنية التي يعمل من خلالها مركزي بنغازي، من خلال اتهام الجيش بسرقة خزائن المركزي وهو ما تم دحضه وفقاً للحبري، الذي أكد انحياز مركزي طرابلس بشكل واضح للتجاذبات السياسية، عقب المجاهرة بمعداة الجيش واتهامه بالسرقة، على الرغم من اثبات تقرير لجنة العقوقات بجلاء، دعم الكبير لأطراف مناوئة للجيش وفق نسخ من الصكوك المصرفية لتلك الأطراف.
وكشف الحبري في بيانه، عن تزامن كل ذلك مع عدم العدالة في توزيع المخصصات من النقد الأجنبي بين المصارف، حيث يصل متوسط نسبة المخصصات لمصارف المنطقة الشرقية 12.6%، والجنوبية شبه محرومة، بينما تركزت المخصصات على المنطقة الغربية، مع اتباع الكبير لاستراتيجية إحكام السيطرة على المصرف المركزي والتحكم في مقدرات الليبيين بحسب وصفه، متسائلا: هل أثمر ذلك نتائج إيجابية؟
وفي تحليله للأزمة المالية الحالية التي تمر بها البلاد، بين الحبري ثلاث نقاط رئيسية، يمكن من خلالها الحكم على الآداء المصرفي، تتمثل في أزمة السيولة، وانهيار سعر الصرف، ومشكلة التضخم.
فيما يتعلق بنقص السيولة في المصارف، أوضح الحبري وجود بندين يعملان وفق الكتلة النقدية الضيقة، والتي تمثل النقود التي يصدرها المركزي مضافا إليها الودائع تحت الطلب، كاشفاً أن البندين يشكلان 87 مليار دينار وهي من مسؤولية المركزي بشكل مباشر في حالة نقصانها، باعتباره الملجأ الأخير للمصارف في حالة حدوث اضطرابات، وهو ما لم يقم به المصرف المركزي، حيث تجاهل المشكلة أساساً، وضرب الحبري مثلاً بالمنطقة الشرقية التي تضم 450 ألف حساب جار، والقيمة المخصصة من مركزي طرابلس تبلغ 50 مليون دينار شهراياً، بواقع 110 دنانير لكل حساب شهرياً، وفي ظل تنامي مشكلة السيولة خصص المركزي للمنطقة الشرقية 20 مليون دينار، فهبط المعدل الشهري لكل حساب إلى 45 ديناراً شهرياً.
وبشأن انهيار سعر الصرف، قال الحبري إن ليبيا تمتلك احطياتياً مؤكداً من النفط يزيد عن 48 مليار برميل، مع وجود احتياطي نقدي ملائم، بالإضافة إلى 116 طن من الذهب، فضلاً عن استثمارات خارجية تصل إلى 67 مليار دولار أمريكي، ووفقاً لذلك، فإن ليبيا تمتلك الاحتياطي الجيد والانتاج النفطي الجيد والاستقرار النقدي المقبول، مع عدد سكان محدود وحجم اقتصاد صغير، فإن كل هذه العوامل تدفع إلى ما وصفها الحبري بالسخرية من سعر الصرف الموازي، الذي يقفز في وضح النهار أمام نظر مركزي طرابلس دون أي تدخل في السوق الموازية، وتسائل محافظ المركزي في البيضاء، أين تذهب احتياطيات النقد الأجنبي التي تتآكل في ظل إزدياد سعر الصرف الموازي مع زيادة الأسعار؟
وبشأن السلع، أضاف الحبري أن استيراد نسبة 80% من حاجات السوق هو استنزاف حاد يستلزم علاجاً، بالتزامن مع تنامي المضاربة في السوق، مع نقص تدفقات رؤوس الأموال الخارجية إلى ليبيا، مع تجاهل واضح لكل الدراسات والمقتراحات التي يمكنها أصلاح الوضع ومنها دراسة صندوق النقد الدولي المتضمنة تصحيح سعر الصرف الرسمي والتي تم تجاهلها تماماً، معتبراً أن سعر الصرف الحالي غير حقيقي ومقوم بأعلى من قيمته.
وبشأن مشكلة التضخم قال الحبري، إن النشرة الاقتصادية للمركزي أشارت إلى بلوغ التضخم إلى 30%، معتبراً أنها نسبة عالية جدا، وتدل على ارتفاع الأسعار وانهيار القوة الشرائية للدينار، مشيراً إلى أن السبب في ذلك يرجع إلى أن الاستيراد في هذا الوضع، هو مصدر الربح السريع والكبير، وفقاً لنظرية المضاربة عبر اللعب على السعر الحقيقي، ما يدفع إلى المزيد من الأرباح، معتبراً أن ضعف مركزي طرابلس حيال هذه القضية عبر جعل المضاربة هي الفعل الفاعل في السوق، أدى إلى ارتفاع الأسعار بشكل فلكي.
وفي هذا الصدد أشار الحبري إلى مفارقة وصفها بالعجيبة، وهي وجود تضخم، تزامن مع نقص حاد في السيولة، مشيراً إلى دور التهريب كدليل على هذه المفارقة، حيث تذهب الواردات بسعر الصرف الحالي إلى دول الجوار، للاستفادة من فرق العملات، مؤكداً أن سعر الصرف هو “الهدف المستهدف بالعلاج” إذا أردنا الإصلاح على حد وصفه، مطلباً بإنهاء الدور التقلدي للبنك المركزي مع تحجيم دور الحكومة في انفاق موارد النفط وفق برنامج عمل مستقبلي للسياسة النقدية.
ليبيا الاقتصادية Libya Business TV

